عبد الملك الجويني

163

نهاية المطلب في دراية المذهب

لوجب عليه القصاص ، فعلى هذا إذا خوفه بتخليد السجن ، لم يكن إكراهاً إلا أن يخوّفه بالتخليد في قعر بيتٍ يغلب الموت من الحبس فيه . قال : وقال العراقيون : إنْ قال له : إن قتلتَ فلاناً وإلا قتلتك ، أوقطعتُ طرفَك ، كان إكراهاً ، ولو قال : إن قتلته ، وإلا أتلفت مالك ، لم يكن إكراهاً ، وإن قال : إن أتلفتَ مال فلان وإلا أتلفت مالك ، يكون هذا إكراهاً . قال القاضي : الإكراه لا يختلف باختلاف المحالّ ، فلا فرق بين أن يكون المطلوب من المكره قتلاً ، أو طلاقاً ، أو عِتاقاً ، أو بيعاً ، أو [ عُقدة ] ( 1 ) من العقود . وفي بعض التصانيف : اختلف أصحابنا في صفة المكرَه : منهم من قال : إذا توعده بما لا تحتمله نفسه ، والغالب أنه يحقق ما توعّد به ، فهذا إكراه ، ومنهم من قال : يختلف ذلك باختلاف عادة الناس ، فالشريف إذا خُوّف بالصفعة الواحدة على ملأ من الأشهاد ، فهو إكراه في حقه ، وفي هذا الكتاب ( 2 ) : وإن خُوف بإتلاف المال والولد ، فهل يكون إكراهاً ؟ فعلى وجهين . وكان شيخنا أبو محمّد يقطع جوابه بأن الإكراه يختلف باختلاف المطلوب ، والإكراهُ على الطلاق دون الإكراه على القتل ، ثم كان يختار أنّ الرجوع فيما يكون إكراهاً إلى ما يؤثر العقلاءُ الطلاقَ عليه ، وهذا يجري في الحبس الطويل ، والضربِ المبرّح ، والنقصِ الظاهر من المروءة . فهذا مجموع ما ذكر في هذا الفصل . 9108 - ونحن نقول : إذا كان التخويف يتعلق بالروح ، وذلك بأن يكون التخويف بالقتل ، أو القطع الذي لو فرض وقدّر سريانه إلى الهلاك ، لكان موجباً للقصاص ، فهذا إكراهٌ في جميع المواضع ، لا يجب أن يكون فيه خلاف ، وإن ردّد العراقيون فيما حكيته جوابهم في التخويف بقطع الطرف .

--> ( 1 ) في الأصل : عنده . ( 2 ) هذا الكتاب : يعني به ( بعض التصانيف ) المشار إليه آنفاً ، وصاحبه هو الإمام أبو القاسم الفوراني .